الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

389

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل . وكانت فطرتهم على فطرة الله وتقواه ، ولم يأل الأنبياء جهدا في هدايتهم ، وبذلوا قدرا كافيا من النصح والإرشاد لهم ، لكنهم حادوا وكانوا مستبصرين . قال بعض المفسرين : إن جملة وكانوا مستبصرين تعني أنهم كانوا ذوي أعين بصيرة ، وعقل كاف . وقال بعضهم : إنها تعني أنهم كانوا على الفطرة السليمة . كما قال آخرون : إنها تعني هداية الأنبياء لهم . ولا يمنع اجتماع جميع هذه المعاني في الآية الكريمة ، فهي إشارة إلى أنهم لم يكونوا جاهلين قاصرين ، بل كانوا يعرفون الحق جيدا من قبل ، وكانت ضمائرهم حية ولديهم العقل الكافي ، وأتم الأنبياء عليهم الحجة البالغة ، ولكن . . . مع كل ما تقدم . . . من نداء العقل والضمير ، ودعوة الأنبياء ، فقد انحرفوا عن السبيل ووسوس لهم الشيطان ، ويوما بعد يوم يرون أعمالهم القبيحة حسنة ، وبلغوا مرحلة لا سبيل لهم إلى الرجوع منها ، فأحرق قانون الخلق والإيجاد هذه العيدان اليابسة . . وهي جديرة بذلك ! والآية الأخرى تذكر أسماء ثلاثة من الجبابرة الذين كان كل واحد منهم بارزا للقدرة الشيطانية ، فتقول : وقارون وفرعون وهامان ( 1 ) . فقارون كان مظهر الثروة المقرونة بالغرور وعبادة " الذات " والأنانية والغفلة . وفرعون كان مظهر القدرة الاستكبارية المقرونة بالشيطنة . وأما هامان ، فهو مثل لمن يعين الظالمين المستكبرين ! . ثم يضيف القرآن ولقد جاءهم موسى بالبينات والدلائل فاستكبرا في الأرض فاعتمد قارون على ثروته وخزائنه وعلمه ، واعتمد فرعون وهامان على جيشهما وعلى القدرة العسكرية ، وعلى قوة إعلامهم وتضليلهم لطبقات

--> 1 - هذه الكلمات الثلاث مفاعيل للفعل المقدر " أهلكنا " أو كما قال البعض : هي مفاعيل لفعل تقديره " أذكر " !